اللوحة الاخيرة بقلم الدكتور / جورج حنا
اللوحة الأخيرة
بقلم الدكتور / جورج حنا
جلست أميرة على إحدى الكراسي الخالية في الأتوبيس، بعد أن نال الإرهاق منها
طوال اليوم
في العمل، بالإضافة
إلى أنها لم تعد تنام جيدًا مؤخرًا.
تنهدت تنهيدة طويلة لا تقول سوى إن الحياة
أصبحت خانقة، بشكل ضاق القلب عن احتماله. استندت برأسها على زجاج الشباك بجوارها. نصف وجهها يحتضنه الظلام، والنصف الآخر تداعبه أشعة الغروب
بلونها البرتقالي الداكن، كمكافأة خفية على المجهود الذي تبذله طوال اليوم.
جلست بجوارها
فتاة في
بداية العشرينات
من العمر، حاملة لوحة كبيرة، مما يوحي أنها من طلبة فنون
جميلة. حمرة وجهها تغلب لون أشعة الغروب.
وما إن جلست بجوارها إلا وانفجرت من البكاء. انزعجت
أميرة ونظرت لها نظرة تعاطف، فهي لا تحتمل أن
ترى وجعًا آخر بجوار وجعها المكتوم. أميرة: مالك؟ مالك؟ حصل إيه؟ بالراحة.
مريم: محصلش حاجة.
أميرة: قوليلي لو في حاجة أقدر
أساعدك فيها.
مريم: الدكتور النهارده قالّي عيدى الرسمة
الوحشة دي، وإني أص الً مستاهلش أكون فنانة،
واللي دخلني الكلية دي ظلمني.. أنا بقالي سنتين
بحاول أثبت نفسي هنا في الكلية، بحاول أركز كل مرة إني أعمل لوحة أحسن من اللي
قبلها، والدكتور ده مش أول مرة يعلق عليّ كده، وكل مرة
يخليني أعيدها تاني.. أنا تعبت بجد. بقيت حاسة
ف اعلً إن الرسم ده مش مجالى.. أنا كنت بحبه لغاية
ما دخلت الكلية وقابلت دكاترة مؤذيين كده.. كرهته وكرهت نفسي.
أميرة: اى ده ؟ ازاى يقول حاجه زى كده ؟ الرسمه
حلوة اوى بجد .. متزعليش نفسك ..انا حصل كده
معايا زمان وأنا في الكلية دي برضه ، وروحت
منهارة اليوم ده، بس كملت رسم و مبطلتش،
ورسوماتي دخلت
بيها مسابقات وكسبت جوائز على مستوى الجمهورية، ودلوقت عندي المرسم
بتاعي، وفنانين كبار بيزوروه.. فمتحطيش في
دماغك الدكتور ده ولا أي كلمً مؤذي بيقوله، لأن ده مش حقيقي، واللوحة اللي إنتِ راسماها حلوة قوي بجد..
مريم: إيه
ده؟ بجد؟..! إنتِ
فنانة برضه؟..! وريني أي حاجة رسمتيها قبل كده.
أميرة: بس كده، عنيا.
أخرجت أميرة هاتفها، وشاهدتا سويًا بعض الرسومات المبهرة التي رسمتها أميرة، وبعض الصور للمحافظ وكبار الفنانين مع رسوماتها. لكن مع كل
صورة ورسمة،
كان يزداد
وجه أميرة احمرارًا،
وتتبدل ملامحها من ملامح التشجيع والتعاطف
إلى ملامح
الحزن والانكسار.
مريم: شك ارا خالص بجد ليكي.. شك ارا إنك سمعتيني وشجعتيني قوي
قوي.
نزلت مريم عند محطتها.. دخلت غرفتها التي كانت
لا تسع أجنحتها حقًا، فبذور حلم جديد وُلدت داخل قلبها؛ أن الأمر لا يقتصر على مجرد رسمة ورأي دكتور، وأن
بعد سنتين
أو أكثر
سيصبح لها
مرسمها الخاص، وسيأتي كبار الفنانين لزيارته ورؤية أعمالها الفنية،
مثل أميرة،
التي تحولت
من مجرد
راكبة في الأتوبيس إلى قدوة ومثل أعلى.
نزلت أميرة من الأتوبيس متماسكة، حتى دخلت غرفتها المتهالكة. بدلت ثيابها النظيفة بثياب
أخرى بالية،
وعلقت ثيابها
النظيفة بعناية بالغة.
وبانفعال كبير، أخرجت صندوقًا كبيرًا أسفل سريرها وفتحته،
وأخرجت بعض رسوماتها القديمة التي
رسمتها في آخر فترة استطاعت
أن ترسم
فيها
— فترة الكلية — وما إن رأت إحدى الرسومات
التي كانت تحبها، حتى احتضنتها
وانفجرت في البكاء.
نادت أمها بصوت متعب:
الدوا يا أميرة يا بنتي… معاده اتأخر نص
ساعة، كنت مستنياكي
تيجي عشان
تجيبهولي.
مسحت أميرة دموعها بسرعة، وذهبت وأحضرت
الدواء لأمها العاجزه عن الحركه تماما ..
نزلت أميرة بعد ذلك إلى كشك الخياطة المقابل للمنزل، واستكملت خياطة الثياب
التي كانت
متروكة من
ليلة أمس،
ونسيت لوحتها
التي كانت
تحمل
دموعها على سريرها ؛
مرسوم عليها صورة
لأميرة، وهي تحاول بأقصى ما عندها أن تمسك بنجمة في فضاء شاسع ولم تستطع. رسمتها أميرة، وهي خائفة أن تجعلها
الظروف اللوحة الأخيرة التي سترسمها.
نامت مريم وهي تحمل في قلبها حلمًا جديدًا،
واستكملت أميرة عملها في
الخياطة في الكشك ليلًا فى
هدوء..
مع صوت منير المنبعث من أحد شبابيك الجيران:
"كل شيء بينسرق مني… العمر والأيام".

Commentaires
Enregistrer un commentaire